عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
276
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الكبرى قسمان : أعلى ، وأدنى : فالأعلى شهود الحق تعالى بعين اليقين في سائر مخلوقاته ، فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوقات فإنه يشهد الحقّ تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ولا انفصال بل بما أخبر به سبحانه وتعالى بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » وهو الذي أشرنا إليه بقولنا في الشهادة إن من شروطها دوام المراقبة من غير فترة ، فإذا صح للعبد هذا المشهد فهو مشاهد للّه تعالى ، وهذا أعلى مناظر الشهادة وما بعدها إلا أوّل مراتب الصديقية وهو الوجود ، فيفنى عن نفسه بوجود ربه ، وحينئذ يدخل في دائرة الصديقية . وأما القسم الأدنى من الشهادة الكبرى فهو انعقاد المحبة للّه تعالى من غير علة ، فتكون محبته للّه تعالى لصفاته وكونه أهلا أن يحبّ . واعلم أن المحبة على ثلاثة أنواع : محبة فعلية ، ومحبة صفائية ، ومحبة ذاتية . فالمحبة الفعلية : محبة العوام ، وهو أن يحبّ اللّه تعالى لإحسانه عليه ليزيده مما أسداه إليه . والمحبة الصفاتية : محبة الخواص ، وهؤلاءهم يحبونه لجماله وجلاله من غير طلب كشف لحجاب ولا رفع لنقاب ، بل محبة للّه خالصة من علل النفوس ، لأن تلك المحبة ليست للّه خالصة ، بل هي لعلة نفسية ، فالمحبّ المخلص منزّه عن ذلك ، ومحبة الخاصة هي التعشق الذاتي الذي ينطبع بقوته في العاشق بجميع أنوار المعشوق ، فيبرز العاشق في صفة معشوقه كما يتشكل الروح بصورة الجسد للتعشق الذي بينهما ، وسيأتي بيانه في آخر الكتاب عند ذكر المقرّبين ، فمحبة العوام محبة فعلية ومحبة الشهداء محبة صفاتية ، ومحبة المقرّبين محبة ذاتية . ومن جملة شروط أهل الشهادة الكبرى القيام على النفس بالمخالفات من غير رخصة ، يعني يقومون عليها بمخالفاتها في العزائم لا في الرخص ، فإنه قد أخطأ كثير من طائفتنا في تحقيق المخالفات ، فادعى أنه لو أرادت نفسه أن تصوم أو تصلي مثلا كان الواجب عليه أن يخالفها بالأكل والشرب وترك الصلاة ، وهذا خطأ ، لأن النفوس من حيث الأصالة لا تطلب إلا ما لها فيه راحة العاجل ، فالطلب الذي لها في الأصل هو كالأكل وطلب الصوم وغيره من أعمال البرّ ليس إلا للروح ، وليس من شرط الطريق مخالفة الروح لأنها ليست الملك ، والملك جليس اللّه بخلاف النفس فإنها جليس الهوى ، والهوى جليس الشيطان فلهذا خولفت لتطمئن ، فتسكن مع الروح
--> ( 1 ) آية ( 115 ) سورة البقرة .